محمد أبو زهرة

1574

زهرة التفاسير

الناس ، فكلمة « الناس » تشمل كل بنى الإنسان ، وما في مضمون النداء من إنذار وتبشير وبيان للحقائق الوجودية والكونية ، والأدلة والبراهين أمور عامة لا تختص بقبيل دون قبيل ، ولا بقوم دون قوم . وفي النص الكريم الذي نتكلم فيه يتضمن النداء حقيقة عامة نفسية تجمع بنى الإنسان مهما تختلف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم ، فهو يثبت أن الأصل هو « نفس واحدة » كلهم يرجعون إليها ، ويتصلون بها ، وهذا النص يشبه قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . . . ( 13 ) [ الحجرات ] . بيد أن النص الذي نتحدث عنه يثبت أن الذكر والأنثى من طبيعة واحدة ، ويثبت في مضمونه الصلة الرحيمة التي تربط الناس جميعا ، وما ينبنى عليها من تعاطف وتواد وتراحم ، والنص الآخر يبين وجوب التعارف الذي هو الطريق للتراحم والتواد ، فهنا بيان الغاية ، وهنالك بيان طريقها . نادى اللّه سبحانه وتعالى الإنسانية ، ذلك النداء الخالد ونبههم سبحانه وتعالى إلى الوحدة في أمرين : أولهما : وحدة الربوبية ، فإن ربكم واحد ، إذ قال سبحانه وتعالى : اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذي هو رب الجميع ، رب الأبيض والأسود والعربي والأعجمى ، والعالم والجاهل ، فصلة الجميع به واحدة ، وهي صلة الربوبية ، وإن هذه الصلة توجب أن يشعر الجميع بأنه لا فضل لجنس على جنس ، ولا للون على لون إلا بمقدار الاتصال الروحي بخالق الخلق ، وذلك بالتقوى ، فهذه الصلة مقوية للأمر بالتقوى ، وأنها مناط التفضيل ، وهي سبيل قوة الصلة الرابطة . والثاني : وحدة التكوين والإنسان ، فالكل ينته إلى نفس واحدة هي الجنس العام الجامع ، مهما يعل ابن آدم أو ينخفض فإلى هذه النفس ينتمى ، وبهذه الأخوة العامة يرتبط . والأمر بالتقوى في هذا المقام لبيان الصلة التي تربط الإنسان بالرب الذي أنعم بهذا الوجود على كل من في هذا الوجود ، وكان ذلك الأمر ممهدا لأمر آخر ،